محمد بن يعلي بن عامر الضبي
12
أمثال العرب
وكيف ذلك ؟ أيخطئ في روايته أو يلحن ؟ قال : ليته كان كذلك ، فإنّ أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصّواب ، ولكنّه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشّعراء ومعانيهم ، فلا يزال يقول الشّعر يشبّه به مذهب رجل ويدخله في شعره ، ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميّز الصّحيح منها إلّا عند عالم ناقد ، وأين ذلك ؟ وعن إبراهيم بن المهديّ قال : حدّثني السّعيديّ الرّواية وأبو إياد المؤدّب قالا « 1 » : كنّا في دار أمير المؤمنين المهديّ بعيساباذ ، وقد اجتمع فيها عدّة من الرّواة والعلماء بأيّام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا المفضّل الضّبيّ الرّواية ، فدخل فمكث مليّا ثمّ خرج إلينا ومعه حمّاد والمفضّل جميعا ، وقد بان في وجه حمّاد الانكسار والغمّ ، وفي وجه المفضّل السّرور والنّشاط ، ثمّ خرج حسين الخادم فقال : يا معشر من حضر من أهل العلم ، إنّ أمير المؤمنين يعلمكم أنّه قد وصل حمّادا الشّاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره ، وأبطل روايته لزيادته في أشعار النّاس ما ليس منها ، ووصل المفضّل بخمسين ألفا لصدقه وصحّة روايته ، فمن أراد أن يسمع شعرا جيّدا محدثا فليسمع من حمّاد ، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل . فسألنا عن السّبب فأخبرنا أنّ المهديّ قال للمفضّل لمّا دعا به وحده : إنّي رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال : « دع ذا وعدّ القول في هرم » ولم يتقدّم له قبل ذلك قول ، فما أمر نفسه بتركه ؟ فقال له المفضّل : ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلّا أنّي توهّمته ، كان يفكّر في قول يقوله أو يروّي في أن يقول شعرا ، فعدل عنه إلى مدح هرم وقال : دع ذا ، أو كان مفكّرا في شيء من شأنه فتركه وقال : دع ذا فأمسك المهديّ عنه ، ثمّ دعا بحمّاد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضّل فقال : ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين ، قال فكيف قال ؟ فأنشد : لمن الدّيار بقنّة الحجر * أقوين مذ حجج « 2 » ومذ دهر قفر بمندفع النّجائب من * ضفوى أولات الضّال والسّدر دع ذا وعدّ القول في هرم * خير البداة وسيّد الحضر
--> ( 1 ) راجع الأغاني ج 5 . ( 2 ) أي درسن منذ سنين .